الجمعة ٢٤ / يوليو / ٢٠٢٦
من نحن اتصل بنا التحرير
×
الموجز
logo قريبًا.. تشغيل المرحلة الثانية من الأتوبيس الترددي بالطريق الدائريlogo البترول: قريبًا الإعلان عن أكبر اكتشاف نفطي بغرب المتوسطlogo الاتحاد الأوروبي يدعم مصر بـ1.5 مليار يورو لتعزيز الاستقرار الاقتصاديlogo مصر للطيران تعزز ريادتها الإقليمية بأحدث تقنيات التدريب الجويlogo مصر والنرويج تبحثان دعم التنمية المستدامة في أفريقيا وتعزيز الاستقرار الإقليميlogo الرئيس السيسي: ثورة يوليو ملهمة.. ومصر تمضي في بناء الجمهورية الجديدةlogo رئيس الجبل الأسود يشيد برسالة الأزهر العالمية للسلامlogo قريبًا.. تشغيل المرحلة الثانية من الأتوبيس الترددي بالطريق الدائريlogo البترول: قريبًا الإعلان عن أكبر اكتشاف نفطي بغرب المتوسطlogo الاتحاد الأوروبي يدعم مصر بـ1.5 مليار يورو لتعزيز الاستقرار الاقتصاديlogo مصر للطيران تعزز ريادتها الإقليمية بأحدث تقنيات التدريب الجويlogo مصر والنرويج تبحثان دعم التنمية المستدامة في أفريقيا وتعزيز الاستقرار الإقليميlogo الرئيس السيسي: ثورة يوليو ملهمة.. ومصر تمضي في بناء الجمهورية الجديدةlogo رئيس الجبل الأسود يشيد برسالة الأزهر العالمية للسلام

البودكاست.. بين الحقيقة وتبييض الوجوه

البودكاست.. بين الحقيقة وتبييض الوجوه

عادل خفاجي يكتب:

​انتشرت خلال السنوات الماضية العديد من برامج "البودكاست" عبر منصات التواصل الاجتماعي، ودخل بعضُها في منافسة شرسة مع برامج "التوك شو" التلفزيونية، مستفيدًا من مساحة أوسع للحركة والتعبير، وسقفٍ أعلى للحرية، في ظل ما تفرضه القنوات الفضائية من ضوابط مهنية وقواعد تحريرية صارمة، إلى جانب الرقابة المهنية والقانونية التي يضطلع بها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وفقًا للأكواد والمعايير الإعلامية والمسؤولية القانونية.


​ورغم أهمية هذه المساحة الجديدة في إثراء المشهد الإعلامي وفتح نوافذ حقيقية للحوار والنقاش، فإن بعض برامج البودكاست جنحت مؤخرًا نحو استضافة نماذج ارتبطت أسماؤها بوقائع فساد، أو صدرت بحقها أحكام قضائية باتةً. وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول الغاية من إعادة تقديم هذه الشخصيات للرأي العام، خصوصًا عندما تتحول المقابلة من حوار موضوعي إلى محاولة واضحة لإعادة رسم صورتهم وتقديمهم في قالب مغاير لما ثبت بالأدلة والوقائع والأحكام القضائية.


​ولا يخفى أن جزءًا كبيرًا من هذا الانحراف يعود إلى الدافع التجاري وسطوة خوارزميات المنصات الرقمية، التي تلهث خلف "التريند" وتحقيق نسب مشاهدة عالية وأرباح إعلانية، بغض النظر عن الأثر الأخلاقي المدمر أو الانحراف برسالة الإعلام عن مسارها الصحيح.


​لقد قامت بعض الدراسات الإعلامية والصحفية برصد هذا الخلل؛ وتوقفت عدة تقارير أمام ظاهرة "الاستسهال" ولجوء بعض البرامج إلى ما يُسمى بثقافة "القعدة" أو جلسات "الفضفضة" الخالية من الإعداد الصحفي الحقيقي.

كما جنحت بعض منصات البودكاست إلى استضافة المؤثرين ومشاهير شبكات التواصل على حساب الخبراء والمتخصصين الحقيقيين، لتقديم محتوى استهلاكي يفتقر للعمق ويغيب فيه المحاور الحقيقي الذي يفند الأفكار ويمحص الأقوال والحقائق؛ لتتحول المساحات الرقمية تدريجيًا من أدوات للمعرفة والوعي إلى منصات هشة تلهث خلف الإثارة والتريند بغية تحقيق المكاسب المليونية، وصولًا إلى خطورة الانزلاق نحو تمويلات مشبوهة أو "غسيل الأموال" التي ترعاها جهات خارجية وأدواتها بعض صانعي المحتوى لتحقيق أهداف هدامة.


​فالإعلام لا ينبغي أن يتحول بحال إلى وسيلة لغسل سمعة أشخاص ثبت فسادهم بحكم القضاء، أو إلى منصة لتبييض وجوههم أمام المجتمع؛ إذ يمثل ذلك إخلالًا صارخًا برسالة الإعلام ومسؤوليته الجسيمة تجاه الرأي العام. لقد تعلمنا دائمًا أن الأحكام القضائية هي عنوان الحقيقة واحترامها واجب وطني، وأن محاولة الالتفاف على آثارها، أو تقديم أصحابها بصورة تخالف ما انتهت إليه العدالة، لا تخدم المجتمع ولا تعزز الثقة في مؤسساته.

وهنا يتجلى دور القضاء المصري الشامخ، الذي نُجلّه ونحترمه ونفخر بنزاهته، في التصدي لهذه الممارسات عبر أحكام قضائية باتة ورادعة صدرت بحق المتورطين، تأكيدًا على سيادة القانون وحماية الوعي المجتمعي.
​ولا يعني هذا بحال مصادرة حق أي شخص في الظهور أو التعبير عن نفسه، وإنما يعني بالدرجة الأولى أن يتحلى الإعلام بالمسؤولية المهنية، وأن يفرق بوعي بين حق الجمهور الأصيل في المعرفة، وبين تحويل المنابر الإعلامية إلى أدوات لتلميع صور أشخاص أساءوا إلى المجتمع.


​إن الإعلام الحقيقي هو الذي يضع الحقيقة فوق الأشخاص، والمصلحة العامة فوق المصالح الشخصية، ويحترم عقل المواطن وحقه في معرفة الوقائع كاملةً دون تجميل أو تزييف. إنه الإعلام الذي يمنح المساحة للرأي والنقاش دون أن ينزلق ليكون أداة لتغيير الحقائق، أو تزييف الوعي، أو إعادة تقديم الفاسدين باعتبارهم رموزًا أو أبطالًا.


​فالإعلام رسالة نبيلة وليس منبراً لغسل سمعة الفاسدين أو تبييض وجوههم، والكلمة أمانة كبرى، والمنبر الإعلامي ليس ملكًا لمن يستخدمه لتحقيق مكاسب زائفة، بل هو أمانة في عنقه أمام المجتمع. ومن ثمَّ، فإن الحرية الإعلامية لا تنفصل أبدًا عن المسؤولية، ولا يجوز أن تُتخذ المساحات المفتوحة ذريعةً لتجاوز القواعد المهنية والأخلاقية، أو بابًا خلفيًا لإعادة تدوير من أضروا بمصالح الوطن.


​ومن هنا، يبرز السؤال الأهم: هل يؤدي الإعلام دوره الحقيقي في تنوير المجتمع وكشف الحقائق ومحاربة الفساد، أم يتحول بعضه إلى منصة لتجميل القبيح وإعادة تدوير الوجوه بعيدًا عن ثوابت الحقيقة؟
​إن الأمم الناجحة هي التي تحارب الفاسدين وتقف بحزم أمام محاولات طمس المعايير، والإعلام الوطني الحقيقي هو الذي ينهض بدوره في تقديم النماذج الوطنية المضيئة والناجحة التي تشرف الوطن، أمثال مجدى يعقوب وأحمد زويل ومصطفى مشرفة وسميرة موسى وفاروق الباز ومصطفى السيد وغيرهم ممن قدموا القدوة الحقيقية في مختلف المجالات.


​وهنا تحديدًا تتجلى الأهمية الكبرى للإعلام الوطني الواعي، الذي يُدرك تمامًا أن رسالته الأولى هي خدمة المواطن، وأن مسؤوليته العظمى هي حماية الحقيقة، وصون الوعي الجمعي، والدفاع عن مصالح الوطن العليا. وهي مسؤولية تحتم تفعيل آليات الرقابة الذاتية والمؤسسية، وارتقاء صنّاع المحتوى بضمائرهم المهنية؛ فالوطن باقٍ والجميع زائلون ، لتظل مصلحة المجتمع دائمًا وأبدًا فوق كل الاعتبارات والأشخاص.